سميح عاطف الزين
265
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
طاغية ، متكبر ، جاهل - أن يتنازلوا عن مكانتهم ، ويسلموا قيادتهم لدعوة ابن أخيه ؟ أم أنهم ، وهو الأرجح ، سيقفون له ولدعوته بالمرصاد ، يحاربونه بلا هوادة ، ويمنعونه بلا تبصّر ، لئلا يكون في نجاح دعوته القضاء على امتيازاتهم ، وأفول سيادتهم في أقوامهم ؟ . . أبدا لن ترضى قريش بذلك ، بل وستؤلّب العرب على ابن أخيه . وإذن فهو لن يقف مكتوف الأيدي ، فإما التصدّي لقريش وحلفائها وفي ذلك ما فيه من حرب أهلية قد لا تترك ولا تذر ، وإما أن يهادن قريشا فلا يعلن إسلامه على ملئها ، وبذلك يكون أقدر على الإمساك بزمام الأمور ، ومناصرة الدعوة بروية وتعقّل هما من أشد الضرورات لها في هذه المرحلة بالذات . . وبعد هذا التأمّل الطويل ، والتفكر في الأمور من جميع جوانبها ، قال أبو طالب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إي واللّه يا ابن أخي ، ما أحب إلى قلبي من دينك ، فامض لأمرك على بركة اللّه . . وو اللّه لا يخلص إليك من الناس شيء تكرهه وأنا على قيد الحياة » . . ثم يلتفت أبو طالب إلى ولده علي ويقول له : « وأما أنت يا بني فما أراك إلا آمنت بدين ابن عمك ؟ » قال علي إي نعم يا أبت ! آمنت باللّه وبرسول اللّه وصدقته بما جاء به ، وصليت معه للّه واتبعته . . . فقال له أبوه : « أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه » « 1 » . لقد رأى أبو طالب ألّا يجهر بإسلامه من أجل مصلحة نبي اللّه ، ومن أجل دين اللّه . . ولكنه أخذ العهد على نفسه وهو يقسم باللّه العلي الكبير أن يناصب العداء كلّ من يقف في وجه الدعوة إلى هذا الدين ،
--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام ، م 1 ص 264 .